توظيف خصائص خط الثلث عند هاشم البغدادي " رحمه الله و عباس البغدادي " حفظه الله




انتعاش الخط العربي جاء بفعل أسباب عدة من أهمها دور القران الكريم الذي حفز الخطاط المسلم على تجويد الخط العربي بواقع طلب التوبة والتعبد والشعور بأهمية رسم الحروف العربية لدرجة العشق . والتشجيع والتقدير لكل يد تحركت لرسم نقاط الخط وفق قواعده المتوارثة عبر الأجيال عن طريق الإفادة المباشرة , طالب عن أستاذ أو عن طريق الإفادة غير المباشرة ( المشق ) . أي تقليد الأصل . ومنح الخطاط حريته النسبية في ميزته الفنية للانتقال من أسلوب فني لآخر سواء أكان مقلدا لأسلوب الخطاطين الكبار أو بقصد الاحاطة العلمية والنظرية لطبيعة المعرفية ( التمرين ) .

سنأخذ لوحتين لنص الآية الكريمة (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) لخطاطين عدا من أهم الخطاطين في مجال الخط العربي في العراق والفارق الزمني بين كتابة اللوحتين ما يقارب النصف قرن .

اللوحة ( أ ) للخطاط هاشم محمد البغدادي واللوحة ( ب ) للخطاط عباس البغدادي بوصفهما تركيبة متناظرة وتحقق التوازن المتماثل في المفردات الخطية , ففي العمل الخطي المتماثل يهتم الخطاط بتوزيع المفردات على المحور العمودي مما يجعل المتلقي يستوعب توازنات وحداتها بعضها مع بعض ومع الفضاءات الداخلية فيها .

ففي هذا النوع من التوازن تتمركز جميع الوحدات على بعد متساو لكلا الجانبين وهذه الوحدات متساوية من حيث الثقل مع وحدات الجانب الآخر . ويمتاز هذا النوع من التوازن بالسكون , ولكن بمساعدة العلامات الإعرابية والتزينية يمكن إضفاء الحركة والحيوية له .

الوصف العام للوحة ( أ )
تحتوي اللوحة نص الآية الكريمة (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) بتركيبة دائرية متناظرة ومتماثلة في طريقة توزيع المفردات الخطية وفق علاقة التناظر المعكوس على جانبي الدائرة الأيسر والأيمن , إذ تبدأ قراءة النص من الجانب الأيمن أسفل الدائرة فاستقلالية حرف ( الواو ) المرسلة ووضوحها وعدم تشابكها مع بقية حروف النص ومفرداته جعلها سببا في استدراج المتلقي إليها ومن ثم تتبع بقية كلمات النص , فقد صمم الخطاط الشكل وفق نظام تعدد مستويات الكتابة المتدرجة من الأسفل إلى الأعلى وبطريقة متداخلة ومتشابكة حتى توحي بالتعقيد فيطلق على مثل تلك التراكيب( بالتراكيب الثقيلة ) فانتظام ذلك التشابك والتداخل بصورة متناظرة متسلسلة حقق التسلسل القرائي الصحيح من خلال تناسق العلاقات التناسبية المتكونة بين الكلمات وأحرفها المتراكبة بعضها فوق بعضها الآخر وبشكل تصاعدي وفق علاقة التتابع التي خلقت لنا حركة تصاعدية من الأسفل إلى الأعلى وبصورة مستمرة من دون انقطاع وصولا إلى قمة الدائرة مما أدى إلى إضفاء التنوع والديمومة للحركة في إشغال الفضاء للشكل الدائري  كما في الشكل ( 1 )
فعند تحليلنا لهذه اللوحة يتضح وجود خط وهمي مستقيم عمودي يقسم الدائرة إلى نصفين متساويين فيظهر لنا شكلان احدهما بالوضع القرائي الصحيح والآخر معكوس له بشكل متناظر , فمن هذا المنطلق اعتمد الخطاط تصميمه للشكل الدائري المعكوس للنص . ولذلك سنعمل على تشريح النصف الأيمن للشكل بوصفه نقطة انطلاق الخطاط في طريقة توزيع مفردات النص  كما في الشكل ( 2 ) .

استثمر الخطاط خصائص الثلث بصفاتها الفنية لشغل مساحة نصف الدائرة للشكل . وذلك عن طريق تنصيل الحروف لمواقع المدات المستحسنة كما في حرف ( الميم ) من كلمة ( وما ) وجعلها نقطة ارتكاز حرف ( الواو ) المجموعة . وكذلك مدة حرف ( الياء ) من كلمة ( أوتيتم ) وجعلها مركز ثقل استقرار كلمتي ( من العلم ) بشكل متوازن ومتراصف مع بقية مفردات التركيب . إذ تم وصل حرف إلى حرف آخر بدقة وإشباع تام من صدر القلم كما في حرف ( الميم ) من كلمتي ( أوتيتم والعلم ) فضلا عن انتصاب الحروف الصاعدة كالألفات وتقاطعهما مع النصف الثاني للتركيب واستدارات الحروف المدورة كحرف ( النون) ( الواو ) وإجادة رسم حرف ( اللام ) المستلقية على ظهرها لإحداث تقاطعات متشابكة ومتضافرة للجانب العلوي للنصف الأيمن وخلق نوع من النسيج الكتابي المتباين في الاتجاهات العمودية والأفقية المائلة للجانب الأيمن والجانب الأيسر وظهورها كقطعة خطية واحدة ذات خصال وصفات تميل إلى الجانب التشكيلي . مبناة على أساس وعلاقات تصميمية تضفي كسر الرتابة في الكتابة الخطية الاعتيادية .

أما من حيث خصائص الثلث الفنية فعمل الخطاط على توظيف خاصية تعدد هيئة الحرف الواحد كما في حرف ( الواو ) المرسل والمجموع وظهور حرف ( العين ) الأولية ( فك الأسد ) متصلة بوسط الكلمة ذات الهيئة المركبة الملفوفة بدلا من العين الوسطية . وحرص على تطبيق ميزان خط الثلث من خلال توفية الحروف كحرف ( الميم ) من كلمة ( أوتيتم ) وإرسال حرف ( الواو ) من كلمة ( وما ) وإشباع حرف ( النون ) من كلمة ( من ) وتدقيق الحرف كما في حرف ( الميم ) من الكلمتين ( أوتيتم والعلم ) .

ومن جهة أخرى حرص الخطاط الحفاظ على المحيط الكفافي للشكل الدائري من خلال تصرفه بطريقة اجتهادية لحرف ( الألف ) من كلمة ( العلم ) ورسمها بطريقة قوسية مائلة مع دوران محيط الدائرة , فضلا عن طريقة توزيع العلامات الإعرابية والتزينية وتصرفه بموقع ( توقيع الخطاط وسنة المخطوط ) في ملئ الفضاءات الداخلية للحروف والكلمات في البنية الخطية لتحقيق التوازن الشكلي لعموم التركيب الدائري
الوصف العام للوحة ( ب )

تتضمن اللوحة ( ب ) تركيبة شبه بيضية لنفس النص للخطاط ( عباس البغدادي ) .

تبدأ قراءة النص من أسفل اللوحة واستثمر الخطاط خاصية توالد الحروف في كلمة ( وما ) وتعني هذه الخاصية استخراج جزء لحرف معين من حرف آخر في نفس الكلمة أو كلمة أخرى للتركيب نفسه . أو كلمة من كلمة أخرى أو اشتقاق كلمة من نهاية حرف في كلمة أخرى . فتساعد هذه الخاصية على حل إشكالية تقليص الفضاءات الناتجة أو على تحديد القياس لكلمات النص الكثيرة فتعمل على اختزال الحروف بالأجزاء المتشابهة شكليا ( كراس الفاء والواو والقاف ونهايات الراء والواو والنون وغيرها من بقية الحروف الأخرى ) فهذه الخاصية تخلق نوعا من العلاقات التصميمية كالتكرار والتطابق والتشابه والوحدة في البنية الخطية وهذا بدوره يضفي طابع الغموض المقصود أو التعقيد للتركيب من اجل الإثارة والتشويق ( فهو يثير نشاط الذهن ويشد الذكاء أكثر من رؤيته كعمل خطي أو زخرفي آخر ) (3) . وعملية الاشتقاق أو التوالد تتطلب مهارة عالية وإتقان غير عادي لقواعد وأصول الخط العربي .

لم يقم الخطاط بتنصيل حرف الياء في كلمة ( أوتيتم ) وسحب حرف الميم في كلمة ( من ) إلى عراقة حرف العين من كلمة ( العلم ) بشكل مريح ورفع حرف ( لا) في كلمة ( قليلا ) , أدى ذلك الخروج من دائرة المحاكاة الدقيقة للوحة ( أ ) .

يتضح من دراسة اللوحتين هو بيان كيفية توظيف الخطاط خصائص الثلث في بنية خطية مبتكرة لا نظير لها في الطبيعة بشكل متقابل ( مرآتي ) مبن على خواص فنية من المد في الحروف وتولدها وتعدد هيئة الحرف الواحد وخلق تنظيم مكاني صحيح لمفردات النص اللغوية ومعقد في الوقت ذاته وهذا ما أكد عليه الخطاطان في تلك اللوحتين فضلا عن مراعاتهم لقواعد وأصول الخط وفق قيم جمالية قائمة على أسس وعلاقات تصميمية ومن أبرزها التكرار والتوازن اللذان يؤديان إلى علاقة التطابق التام لنصفي التركيب الدائري وشبه البيضي المتقابل ( مرآتي ) والمتضاد من حيث الاتجاه القرائي لنصفي الدائرة وذلك لأغراض تزينية .

Comments

Popular posts from this blog

كراسة خط النسخ الدارج للخطاط مسعود بن حافظ

علم نفسك خط النسخ بالقلم العادي، للخطاط مهدي السيد محمود